ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صاغت التاريخ ودحرت الإرهاب نحو التنمية والبناء .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني

تظل ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، ولم تكن مجرد انتفاضة شعبية عابرة، بل كانت بمثابة طوق النجاة الحقيقي الذي أنقذ الهوية المصرية من الاختطاف، وحمى مؤسسات الدولة العريقة من الانهيار والضياع على يد جماعات الإرهاب والتطرف التي حاولت بث الفرقة وتدمير النسيج الوطني التليد.

لقد خرج الملايين من أبناء الشعب المصري في مشهد حضاري مهيب ملأ الميادين، ليعلنوا رفضهم التام لمساعي طمس هوية الوطن، مطالبين باستعادة بلدهم وإسقاط حكم الجماعة التي غلبت مصلحتها الضيقة على مصلحة الوطن العليا، فكانت التظاهرات هتافًا واحدًا من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وفي خضم هذا الغليان الشعبي، ظهر الموقف التاريخي والانحياز التام لإرادة الشعب من قِبل القوات المسلحة المصرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، والذي أمهل الجميع خارطة طريق واضحة؛ حيث أعلن منح مهلة مدتها 48 ساعة كفرصة أخيرة للاستجابة للمطالب الشعبية الجارفة، لتفادي انزلاق البلاد نحو نفق مظلم من الصراع الأهلي.

ومع إصرار الرئيس الأسبق محمد مرسي على رفض المطالب الجماهيرية العارمة والتمسك بموقفه، جاء القرار الحاسم والمعبر عن عقيدة الجيش المصري في حماية الشعب؛ حيث أُعلن عزل مرسي، وإسناد إدارة شؤون البلاد مؤقتًا ورئاسة الجمهورية إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور، وإعلان خارطة طريق حظيت بتأييد شعبي وجامع من كافة أطياف المجتمع والرموز الدينية والسياسية.

لتنطلق مصر منذ ذلك التاريخ في معركة مزدوجة وشرسة؛ تمثلت جبهتها الأولى في مواجهة الإرهاب الأسود الذي حاولت تلك الجماعات المتطرفة فرضه على الدولة عبر تفجيرات وأعمال تخريبية، إلا أن بسالة رجال القوات المسلحة والشرطة نجحت في تجفيف منابعه واقتلاع جذوره وإعادة الأمن والأمان لكافة ربوع الوطن.

ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم استجابة للمطلب الشعبي الملح، بدأت الجبهة الثانية وهي معركة البناء والتشييد الشامل، حيث أطلق الرئيس مشروعًا قومياً ضخماً لإنشاء وتطوير نحو 30 مدينة جديدة تُعرف بـ “مدن الجيل الرابع الذكية”، موزعة في مختلف المحافظات بهدف استيعاب الزيادة السكانية وتوسيع الرقعة العمرانية والاقتصادية، ولمن أراد الاطلاع على التوزيع الجغرافي والبيانات التفصيلية لكل مدينة، يمكنه زيارة منصة خريطة مشروعات مصر، أو مراجعة قائمة مدن مصرية جديدة على ويكيبيديا.

وجاءت في مقدمة هذه المدن العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة على مساحة 170 ألف فدان، والتي تضم الحي الحكومي والدبلوماسي ومنطقة الأعمال المركزية، بجانب صرحها الرياضي العملاق “ستاد العاصمة الإدارية الجديدة” المصمم بأحدث المعايير العالمية، بالإضافة إلى مدينة العلمين الجديدة كأول مدينة مليونية بالساحل الشمالي، والمنصورة الجديدة كأول مدينة ذكية في الدلتا، فضلًا عن مدن القناة كالإسماعيلية الجديدة وشرق بورسعيد، ومدن الصعيد للتنمية الشاملة كمدينة ناصر وغرب قنا والفشن وملوي الجديدة، وامتدادات القاهرة الكبرى والمدن السياحية كمدينة الجلالة وسفنكس الجديدة.

ولربط هذه المدن وتسهيل حركة المواطنين، شهد قطاع النقل والمواصلات ثورة تكنولوجية غير مسبوقة تجسدت في إدخال وسائل نقل جماعي ذكية ونظيفة تعتمد كلياً على الطاقة الكهربائية لأول مرة في تاريخ مصر، وعلى رأسها قطار “المونوريل” الكهربائي المعلق (خطوط العاصمة الإدارية و6 أكتوبر) والذي يعد أطول خط مونوريل في العالم، ليربط إقليم القاهرة الكبرى بالمجتمعات العمرانية الجديدة بكل سلاسة وأمان.

ولم يتوقف الإنجاز عند المونوريل، بل امتد ليشمل تشييد شبكة القطار الكهربائي السريع والقطار الكهربائي الخفيف (LRT)، وتطوير خطوط مترو الأنفاق من خلال افتتاح محطات مترو جديدة ومتطورة وخطوط إضافية، لتشكل معاً منظومة نقل متكاملة، صديقة للبيئة، وموفرة للوقت والجهد.

وبالتوازي مع هذه الشبكة الكهربائية المتطورة، تم تشييد محطات قطارات عملاقة وحديثة لخدمة الخطوط التقليدية والمطورة، ومن أبرزها محطة قطارات صعيد مصر بمنطقة بشتيل، والتي تعد تحفة معمارية ومركزاً تبادلياً ضخماً يسهل حركة ملايين الركاب يومياً، وتتكامل هذه المشروعات القومية الكبرى مع المبادرة الرئاسية الأضخم “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين في القرى والنجوع، لتثبت ثورة 30 يونيو أنها لم تكن مجرد عزل لنظام، بل كانت نقطة انطلاق وبعثاً جديداً صاغ ملامح “الجمهورية الجديدة” على أسس من الأمن والتنمية والرخاء.

 

About The Author