الكلمة إكسير الحياة: الإعلام رسالة الأنبياء وصوت الشعوب في معركة التنوير والحرية.. بقلم: الحنوني عبدالرحمن

إن الإعلام ليس مجرد مهنة عابرة أو أداة لنقل الأخبار، بل هو رسالة سامية مقدسة اختص بها الله الأنبياء والرسل منذ بدء الخليقة لتبليغ قيم الحق والعدل ونشر الفضيلة في الأرض. ويُعد الإعلام بمثابة روح الشعوب الحية، والنبض الحقيقي الذي يترجم آمالها وآلامها، وهو الصوت الأقوى والأبقى أثراً في التاريخ من أزيز الرصاص وقذائف البنادق، لما له من قدرة فائقة على صياغة الواقع وتغيير مسار الأمم وبناء الحضارات الإنسانية.ويمثل الخطاب الإعلامي الصادق والنزيه البلسم الشافي لجراح المجتمعات المنهكة، والقلب النابض للأمة، والعقل الرشيد الذي يوجه الرأي العام نحو البناء والتقدم والازدهار. ولا تتوقف قوة الكلمة الحرة عند حد معين، بل هي الطليعة والقوة الإيجابية القادرة على تحريك الصخور الصماء، ونبش ما في القبور من حقائق غائبة، وإخراج ما في الصدور من مكنونات الوعي، لتعيد صياغة المفاهيم وتكشف زيف الباطل أينما وجد.ولم تكن المسؤولية الإعلامية يوماً مجرد أبواق دعائية وهتافات جوفاء بلا مضمون، بل هي الروح الحقيقية والشرارة التي تعيد الحياة إلى الأجساد والقلوب الميتة، وتحرك ضمائر الملوك والرؤساء، وتصنع التحولات السياسية الكبرى التي أنهت عهود الاستعمار المظلمة. وها نحن اليوم نحتفل بـ “عيد الإعلاميين” الذي يوافق الحادي والثلاثين من مايو، وهو اليوم المهيب الذي نفتخر فيه بنبل رسالتنا ونردد بملء الفخر والاعتزاز: “لو لم أكن إعلامياً لوددت أن أكون إعلامياً”.إن الكلمة مسؤولية كبرى ودين أخلاقي في عنق صاحبها لا يسقط بالتقادم، وهي تمر كالحسام القاطع الذي يفصل بين الحق والباطل، حيث يبقى الوفاء بالأمانة هو المقياس الأخير لضمير المهنة؛ ففي البدء كانت الكلمة، وشرف الإنسان ينبع من صدق كلمته، وشرف الله تجلى في كلمته الخالدة. ويعتبر الإعلام بكافة أشكاله إكسير الحياة العصرية، والقوة الفاعلة القادرة على تشكيل عقول المجتمعات، وبناء الوعي، ونشر قيم التنوير الحقيقي لدحر الأفكار الظلامية وخطابات الإرهاب والتطرف.وقد تجلت عظمة هذه الرسالة تاريخياً عبر منابر الإذاعة والتلفزيون، التي مثلت الأصالة والجذور الشامخة للإعلام العربي، فكانت الميكروفونات والشاشات هي الأسلحة الأولى التي شحذت همم الشعوب، وقادت حركات التحرر الوطني، وصاغت الهوية الثقافية والوعي القومي بمسؤولية ومصداقية رفيعة. ولم تكن هذه المنبر التقليدية مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى مدارس فكرية تخرجت منها أجيال من التنويريين، ووقفت بصلابة أمام محاولات طمس الحقائق وتجهيل العقول عبر العقود الماضية.ومع تطور العصر، لم يقف الإعلام جامداً بل امتدت جذوره الأصيلة لتتلاحم مع ثورة الصحافة الرقمية والذكية، مما أتاح للكلمة الصادقة آفاقاً جديدة وسرعة انتشار غير مسبوقة عابرة للحدود والقارات. هذا الاندماج بين أصالة الإذاعة والتلفزيون وديناميكية الفضاء الرقمي خلق واقعاً إعلامياً جديداً، يحمل فيه الإعلامي سلاح التكنولوجيا الحديثة ليواصل ذات الرسالة السامية بأدوات معاصرة تخاطب جيل اليوم بلغتهم وسرعة عصرهم.إن هذا التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فرض تحديات جسيمة على الساحة؛ حيث تسببت العشوائية الإعلامية وانتشار الشائعات الممنهجة عبر منصات التواصل الاجتماعي في تشويه الحقائق وإثارة البلبلة. وتقف الكتائب والمليشيات الإلكترونية اليوم كمهدد حقيقي لوعي الشعوب، مما يفرض على الإعلام الحقيقي تعزيز وجوده الرقمي لمحاصرة هذه الأفكار المظلمة ودحضها بالمعلومة الموثقة والتحليل الرشيد.وكما استطاع الإعلام والإذاعة قديماً مواجهة جيوش الاستعمار، فإنهما يقفان اليوم حائط صد منيع في معارك مواجهة الجهل والفساد؛ ونحن إذ نحتفل بعيد الإعلام، فإننا نحلم بمزيد من الحريات المسؤولة وحرية تداول المعلومات، والاتحاد الحقيقي للقضاء على العشوائية الإعلامية لحماية عقول الأمة وصون مستقبلها. إن معركتنا اليوم هي معركة وعي وتنوير، وستبقى الكلمة الصادقة والمهنية هي الحصن الحصين الذي يحمي عقول أمتنا ويقودها نحو مستقبل مشرق وآمن.

About The Author