عبد الرحمن الحنوني يكتب … يوم عرفة.. واحة الغفران وموئل النفحات الربانية

تشرئب أعناق الأمة الإسلامية وتخفق قلوبها شوقاً نحو يوم العتق الأكبر، يوم عرفة المشهود، الذي يمثل ذروة التجلي الإلهي وأبهى صور الرحمة التي تتنزل على الأرض. إنه الميقات الذي يباهي الله فيه ملائكته بأهل الموقف، مفيضاً عليهم من سحائب غفرانه وجوده، ليتطهر العباد من أوزارهم ويعودوا أنقياء كاليوم الذي ولدتهم فيه أمهاتهم.فوق صعيد طاهر، يتجسد جوهر العبودية والانكسار للخالق جل وعلا، حيث ينسلخ الحجيج من دنيانا الفانية ويلتحفون رداء التلبية والتكبير بقلوب خاشعة وأجساد شاخصة. إن مشهد جبل الرحمة، وهو يغص بالبشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، يرسم لوحة إيمانية خالدة تؤكد أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وتزرع في الوجدان معاني التواضع.ولم يكن الغيث الرباني في هذا اليوم حكراً على من وقف بالعرصات، بل إن نفحاته القدسية تسري لتشمل أفئدة المسلمين كافة في أرجاء المعمورة عبر شعيرة الصيام المباركة. فصوم هذا اليوم لغير الحاج يمثل منحة ربانية جليلة، تكفر ذنوب سنتين: سنة خلت وأخرى استقبلت، لتكون بمثابة غسيل روحي يجدد العهد مع الله ويزكي النفوس.إن الساعات الخاطفة من يوم عرفة تستنهض في المسلم يقظة القلب لئلا يضيع منها ميثاق، فيقبل على ربه بالابتهال والضراعة، ملحاً في طلب العتق من النيران وسفك عبرات الندم. وكيف لا يكون كذلك، وهو اليوم الذي صدح فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن خير الدعاء هو دعاء عرفة، وخير ما نطقت به ألسنة الأنبياء هو توحيد الله وإخلاص الدين له.في هذه الساعات الزاكية، تتنزل السكينة غامرة وتتضاءل الذنوب العظام أمام سعة العفو الإلهي، في حين يرتد الشيطان خاسئاً دحيراً لما يرى من فيض المغفرة والرحمة التي تغسل خطايا العمر. إنها الفرصة السانحة لكل نفس أرهقتها الغفلة وقيدتها الآثام، لتقف على عتبات الوداد الرباني وتلقي بأحمالها في ساحة الجود والمغفرة.ولا تكتمل معاني الصعود الروحي في هذا اليوم إلا بجعله مدرسة تهذب السلوك وتطهر النفوس من أدران الشحناء والخصومة، فمن طمع في عفو السماء وجب عليه الصفح في الأرض. إن مغفرة الباري مشروطة بنقاء السريرة وسلامة الصدر، وتحويل عواطف العبادة إلى واقع يفيض بالسلام والتراحم بين أبناء المجتمع بأسره.وحين يطوي هذا اليوم المبارك أستاره، يرحل تاركاً في الأعماق عبير النفحات الباقية وصدق الوعود الإلهية بالعتق والقبول، لتستأنف الأمة بعده مسيرة العمل الصالح بهمة وثابة. فلنجعل من أنوار عرفة منطلقاً لعهد جديد تصاغ فيه الحياة بالطاعة والاستقامة، راجين أن نكون في زمرة من شملتهم الرحمة وكتبت لهم النجاة.

About The Author