القرار 759.. هندسة التبذير المالي في زمن “الحزام المشدود” والجنيه المنهك.
سبوبة المونديال على حساب الخزينة الخاوية: القرار الوزاري الذي شرعن تبديد الاحتياطي النقدي.
الحنوني عبدالرحمن يصرخ: “الشعر شاب من اتحاد أبو ريدة ووزارة جوهر”.. القرار 759 يفضح منطق السبوبة في زمن التقشف
465 ألف دولار من خزينة تستجدي الدولار، والفيفا يتحمل كافة النفقات
حزام المواطن مشدود.. وأحزمة الاتحاد المصري لكرة القدم تتسع بقرارات وزارية مختومة
كيف يسير اتحاد الكرة عكس اتجاه الدولة في أشد لحظاتها ضيقاً
بنود في القرار 759 تفتح أسئلة صعبة حول أولويات الإنفاق في زمن الضغوط الاقتصادية
750 ألف جنيه.. غسيل ملابس
175 ألف جنيه.. بقشيش في مطار أمريكي — بقرار وزاري رسمي
5 ملايين جنيه.. مستلزمات طبية والفيفا يغطيها أصلاً
8.5 مليون جنيه.. مصروف جيب للاعبين أصحاب العقود الفلكية
افتح القرار الوزاري رقم 759 الصادر في 19 مايو، ممهورا بتوقيع وزير الشباب والرياضة. اقرأه الآن؛ لأنك لو قرأته بعد شهر، حين تطوى الأرقام في أدراج النسيان، لن تجد من يسأل، الخزينة ستكون قد دفعت، والمواطن — كالعادة — يتحمل الفاتورة دون استئذان ودون محاسبة.
الاقتصاد المصري يمر بأزمة موارد دولارية حادة؛ فإيرادات قناة السويس انهارت بنحو 60% جراء توترات البحر الأحمر، وكانت توفر للخزينة ما بين 8 و10 مليارات دولار سنويا، والاقتراض الخارجي يتصاعد لسد عجز الموازنة، والتضخم بلغ 15.2% في مارس 2026 عقب رفع أسعار الوقود بين 14 و17%، وجاء أبريل بـ13.4% تحركه تكاليف السكن والنقل والخدمات. في هذا الظرف بالذات، يقنن القرار رقم 759 صرف ما يتجاوز 465 ألف دولار — ثلاثة وعشرين مليون جنيه — في بعثة رياضية يتكفل الفيفا بنفقاتها الأساسية أصلا.
1- الفيفا دفع مرة.. والاتحاد يحيل الفاتورة على الخزينة مرة ثانية
هذه ازدواجية مالية موثقة، لا مجرد إسراف. الفيفا خصص 813 مليون دولار لبند “خدمات الفرق”، يشمل صراحة الإقامة، والانتقالات، والدعم الطبي والفني للمنتخبات الـ48 كافة. وأعلن رفع إجمالي التوزيعات المالية إلى 871 مليون دولار، مع زيادة منحة الاستعداد من 1.5 إلى 2.5 مليون دولار لكل منتخب. الاتحاد المصري إذن يتقاضى تمويلا دوليا شاملا لتغطية نفقات البعثة، ثم يأتي بقرار وزاري ليرصد بنودا من الاحتياطي الأجنبي الشحيح لنفس الأغراض المغطاة دوليا. هذا ليس جهلا باللوائح، هو هندسة مقصودة لخلق هوامش صرف حرة بعيدة عن أي تدقيق.
2 – بند: الأرقام في مواجهة الاقتصاد الكلي
25 ألف دولار انتقالات “إضافية” — مليون وربع جنيه — في بلد يعجز مصنعوه عن فتح اعتمادات مستندية لاستيراد المواد الخام. الفيفا يتكفل بكل تحركات البعثة بين المطارات، والملاعب, والفنادق، فما طبيعة هذا النقل “الإضافي” الذي لم يعرف في القرار؟ البنود التي ترصد فيها ملايين مقابل “شيء غير محدد” هي التعريف الأكاديمي للإنفاق الذي لا يحاسب عليه أحد.
100 ألف دولار مستلزمات طبية — خمسة ملايين جنيه — لرحلة مدتها خمسون يوما. الفيفا يوفر الرعاية الطبية الكاملة في ملاعبه ومستشفياته المعتمدة، والطبيب المتخصص المرافق للمنتخب منذ سنوات يفترض أنه شحن مخزنه الطبي بالجنيه قبل السفر. السؤال الرقابي الذي لا يجيب عنه أحد: لماذا لم تشتر هذه المستلزمات بالعملة المحلية إن لم يكن الهدف سحب الدولار نقدا من الخزينة؟ خمسة ملايين جنيه كانت كفيلة بتوفير أجهزة طبية لمستشفيات تئن من نقص التجهيزات.
3-بقشيش رسمي بقرار وزاري يعادل رواتب 25 موظفا — هذا ليس خطأ في الصياغة
3,500 دولار — 175 ألف جنيه — “إكراميات وتغليف حقائب بالمطار”. لا توجد حكومة تحترم قواعدها المالية تصدر قرارا وزاريا لتقنين البقشيش؛ لأن الإكراميات مصروف شخصي لا يحمل على المال العام بأي نظام محاسبي في العالم. في بلد حده الأدنى للأجور 7,000 جنيه، يجيز الاتحاد رسميا صرف ما يعادل رواتب 25 موظفا حكوميا لشهر كامل، بقشيشا في مطار أمريكي. هذا ليس خطأ في صياغة نص، هذا خطأ في العقيدة المالية للمؤسسة.
4- مغسلة الملابس بـ750 ألف جنيه.. والدولة تتقشف في الأنسولين والكتب
15,000 دولار غسيل ملابس — 750 ألف جنيه. الحساب لا يحتاج خبيرا: 4.6 دولار يوميا للفرد الواحد، رقم لا يتوافق مع أي خدمة فندقية حقيقية في مخيمات الفيفا. هذا البند وحده يكفي لتوظيف عشرة معلمين أو ممرضين لعام كامل في قطاعات تتقشف الدولة فيها بحجة شح الموارد. الموارد شحيحة على الأنسولين والكتب المدرسية، لكن غسيل جوارب مسؤولي الرياضة في أمريكا يقنن بقرار وزاري مختوم.
169 ألف دولار مصروف جيب للاعبين — 8.5 مليون جنيه. هؤلاء اللاعبون يتقاضون رواتب بالملايين من أنديتهم، والفيفا منح الاتحاد 2.5 مليون دولار بدل تحضير مخصص لهذا الغرض تحديدا. ومع ذلك يفتح بند دولاري إضافي يسحب من البنك المركزي، في وقت تعاني فيه المصانع من عدم القدرة على فتح اعتمادات الاستيراد. الدولة تضيق على المنتج الحقيقي وتتوسع على المحظيين. ميزانية هذه السفرية وحدها كانت كفيلة بدعم مشروعات صغيرة تشغل مئات الشباب، الذين تتجاوز نسبة البطالة في صفوفهم 20% في فئة 15-24 سنة.
الخصخصة المقنعة للمال العام وصناعة البدلات
إن خطورة القرار 759 لا تقف عند حدود تبديد الموارد، بل في تكريس ثقافة “الغنيمة المبررة قانوناً”. عندما تمنح وزارة الشباب والرياضة غطاءً شرعياً لبنود إنفاق وهمية ومكررة، فإنها لا تدير نشاطاً رياضياً، بل تدير عملية “خصخصة مقنعة” لأموال دافعي الضرائب لصالح فئة من التكنوقراط الرياضي. في الوقت الذي تلاحق فيه الضرائب صغار التجار والمستثمرين لجمع الفتات، تخرج هذه الملايين الدولارية بجرة قلم من وزير مهمته الأولى — بنص الدستور — الحفاظ على ترشيد الإنفاق العام.
5- بعثة رياضية أم توزيع مزايا على المقربين؟
الأرقام نصف القصة، النصف الآخر في قائمة الأسماء. سكرتير رئيس الاتحاد مدرج بصفة “منسق أمني”، والدور الأمني له فريق متخصص أصلا. مسؤولا التذاكر يسافران في بطولة تذاكرها إلكترونية بالكامل. إدارة العلاقات العامة بكاملها طارت إلى أمريكا. لكن الأغرب: وفد كامل من مسؤولي الحسابات العامة، والضريبية، والمشورة المالية في بعثة رياضية. ما الذي يفعله مسؤول حسابات ضريبي في نيويورك؟ الإجابة الاقتصادية الوحيدة: السفرية تحول المراقبين الماليين الداخليين — الذين يراجعون رواتب الإدارة التي تتجاوز 350 ألف جنيه شهريا — من خانة الرقيب إلى خانة المستفيد؛ فالشريك في البدلات الدولارية لن يعترض على كشوف الصرف حين يعودون. شراء الصمت المؤسسي بالمزايا نمط موثق في إدارة كل مؤسسة تغيب عنها الرقابة.
6- إجازة رسمية كجسر قانوني لاقتناص 200 ألف جنيه في عشرة أيام
انفردت الصحفية سماح عمار بكشف آلية أذكى: رئيس مجلس الإدارة أخذ إجازة رسمية من الاتحاد لحضور الافتتاح عشرة أيام، والإجازة هي الجسر القانوني لاستيفاء البدلات الدولارية المقررة للبعثة. النتيجة: 200 ألف جنيه في عشرة أيام، فوق الـ350 ألف جنيه شهريا، وفوق مكافآت الأجهزة المعاونة، والمؤسسة في غيابه تدار بمن لا تربطه بها صفة رسمية معتمدة. فراغ حوكمي كامل في مؤسسة تدير مالا عاما.
ازدواجية الخطاب بين النخبة والشارع
هذا المشهد السريالي يعكس انفصاماً حاداً في الخطاب الرسمي؛ فالشاشات الحكومية لا تتوقف عن مطالبة المواطن بالصبر والتحمل والتقشف من أجل عبور عنق الزجاجة الاقتصادي، بينما الكواليس الإدارية تشهد حفلات توزيع “بدلات السفر السريعة” و”إكراميات الفاخرة”. كيف يمكن لوزير أن يطلب من المواطن استيعاب زيادة أسعار الوقود والخدمات، وهو ذاته الوزير الذي يوقع بيمينه ميزانية سفر ترفيهية لبقشيش المطارات في قارة أخرى؟ هذا التناقض يدمر مفهوم “العدالة في تحمل أعباء الإصلاح” ويحول التقشف إلى عقوبة تُفرض على الفقراء وتُرفع عن المحظيين.
أين تذهب أموال “الفيفا”؟ السؤال الغائب
الفجوة الرقابية الأخطر هنا تكمن في مصير المنح الدولية التي يرسلها الاتحاد الدولي لكرة القدم. إذا كانت الخزينة المصرية قد تحملت الـ 465 ألف دولار، فأين ذهبت ملايين الدولارات المخصصة للاستعداد والدعم الطبي واللوجستي من “الفيفا”؟ هل دخلت حسابات الاتحاد كمكاسب صافية تُوزع لاحقاً في صورة مكافآت داخلية؟ إن الجمع بين التمويل الدولي والتمويل الحكومي لنفس البنود هو شبهة فساد مالي إداري صريح يتطلب تدخل الأجهزة الرقابية السيادية، لإعادة تدقيق وفحص الحسابات الخاصة بهذا الكيان الذي يتعامل مع الدولار وكأنه عملة متوفرة بلا حدود.
غياب المساءلة البرلمانية وصدمة الرأي العام
لا يمكن فصل هذا الهدر عن حالة “الشلل الرقابي” التي تعاني منها اللجان البرلمانية المختصة. فبدلاً من أن يتحول هذا القرار إلى استجواب عاجل يسحب الثقة من المتورطين، يمر القرار في صمت مريب، وكأن أموال الدولة مستباحة ما دامت تحت لافتة “الرياضة والتمثيل الدولي”. إن السكوت على القرار 759 يفتح الباب لجهات أخرى لتقنين فسادها وهدرها تحت ذات الذريعة، مما يؤكد أن معركة الإصلاح الاقتصادي لن تنجح بالتقشف في بنود الصحة والتعليم، بل بقطع يد الهدر في مؤسسات الترفيه التي تعيش في كوكب آخر بعيداً عن واقع المصريين.
7- فاتورة الترف تدفع من قوت الناس.. وطالما غاب السؤال دارت ماكينة الهدر
ما يكشفه القرار رقم 759 ليس إسرافا عشوائيا، هو نمط ممنهج: بنود تدفع مرتين، وأسماء بلا دور، وبقشيش بقرار وزاري، وإجازات مهندسة لاقتناص البدلات. 23 مليون جنيه تسحب من احتياطي أجنبي يرزح تحت ضغط متصاعد، في لحظة يطالب فيها صندوق النقد الدولي بإصلاحات هيكلية مؤلمة، وتتراجع فيها إيرادات السويس، وترتفع فيها أسعار السلع الأساسية على طاولة المواطن. حزام التقشف فرض على جيب المواطن وحده، والمسؤولون يوسعون أحزمتهم بقرارات وزارية رسمية مختومة.
8- وفى الختام
الأرقام موثقة، القرار متاح للعموم، وميزانية الفيفا معلنة. يا وزارة الشباب، القرار رقم 759 وقع في مايو، والفيفا دفع 813 مليون دولار لخدمات الفرق، وخزينة الدولة دفعت مرة ثانية. وفي أوقات الضغط الاقتصادي، الصمت الرقابي رسالة بحد ذاتها.

المزيد من القصص
ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صاغت التاريخ ودحرت الإرهاب نحو التنمية والبناء .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني
ريادةٌ تتحدى القيود وتصيغ مسارات السلام .. بقلم: هاني صبري
الجدعان.. ضهر العمر وسند الأيام .. بقلم: الكاتب الصحفي عبدالعاطي محمد