محمد محمود الزعيم يكتب : رحل طبيب القلوب … وبقيت دعوات المرضى تحرس قبره

البقاء لله وحده … إنا لله وإنا إليه راجعون

بقلوب يعتصرها الحزن ، وألسنة لا تملك إلا التسليم بقضاء الله وقدره ، ننعى إلى الأهل والأحبة والزملاء رحيل العالم الجليل ، والطبيب الإنسان ، ابن قرية قراجه بمركز كفر صقر، الدكتور السيد عرفة صقر ، استشاري أمراض الباطنة والقلب .

مسيرة عطاء لا تعرف التوقف

لم يكن الدكتور السيد عرفة مجرد طبيب يحمل شهادات على الجدران، بل كان مدرسة في الرحمة قبل أن يكون مدرسة في الطب . قضى عمره بين جدران العيادات والمستشفيات ، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وغريب. كان يؤمن أن المريض قبل أن يكون حالة مرضية، هو إنسان يحتاج إلى طمأنينة، إلى كلمة “ستكون بخير” تسبق أي وصفة دواء .

عيادته كانت بيتاً مفتوحاً للجميع . لم يعرف معنى “المواعيد مغلقة” حين يطرق باب الألم . وكان يقول دوماً : “إذا وهبني الله الصحة، فهي أمانة يجب أن أؤديها للناس”.

طبيب القوافل … حتى وهو مريض

من المواقف التي ستبقى محفورة في الذاكرة ، ما ذكره الدكتور أحمد عطية محجوب ، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، أنه رغم معاناته مع المرض ، كان يطلب منه المشاركة في القوافل الطبية. كان ينهض من فراشه، ويحمل معه سماعته وقلبه الكبير، ليعالج أهل القرى البعيدة الذين لا يجدون من يخفف عنهم. كان يمشي متكئاً على عصاه ، لكن همته كانت تسبق خطاه.

سأله أحدهم يوماً : “يا دكتور، أنت مريض ، لماذا تجهد نفسك ؟” فأجاب بابتسامة هادئة : “ومتى سأرتاح إن لم أرح الناس وأنا قادر ؟”

رجل السياسة الحكيم

لم تكن حكمة الدكتور السيد عرفة مقصورة على الطب وحده، بل امتدت إلى ميادين العمل العام والسياسة . كان رحمه الله رجلاً سياسياً بارعاً، صاحب رأي راجح وكلمة مسموعة. يجمع ولا يفرق ، ويصلح بين الناس بحكمة الأطباء وروية الكبار .

كان بيته ملتقى لأهل القرية ومركز كفر صقر ، يقضي حوائج الناس ، ويتدخل بالحسنى لحل النزاعات ، ويوجه الشباب برؤيته الثاقبة. لم يدخل في صراع، ولم يجرح أحداً، بل كان دائماً صوت العقل والاتزان . السياسة عنده كانت خدمة للناس ، لا منصباً ولا وجاهة .

عم الجميع قبل أن يكون عم اللواء

كان رحمه الله عم اللواء أحمد عرفة ، لكنه قبل الرتب والألقاب ، كان “عم السيد” لكل من عرفه. كبيراً يحترمه ، وصغيراً يحبه ، ومريضاً يأمن له. بيته كان مفتوحاً، وصدره كان أوسع من أي عيادة . لم يُعرف عنه أنه كسر خاطر سائل ، أو رد محتاجاً ، أو تأخر عن نجدة ملهوف .

الأثر الذي لا يموت

رحل الجسد إلى دار البقاء، لكن الأثر الطيب لا يرحل . ذهبت العيادة وستُغلق أبوابها، وستُرفع اللافتة من على الجدار ، لكن ستبقى دعوات الأمهات ، ودموع المرضى الذين شفوا على يديه، وطلاب الطب الذين اتخذوه قدوة ، وأهل قريته الذين شهدوا له بالحكمة والرجولة .

سيرته شجرة طيبة جذورها ضاربة في قلوب الناس . كل مريض عالجه صدقة جارية ، وكل وجع خففه حسنة تثقل ميزانه، وكل خصومة أصلحها بركة في عمره . تلك هي الشجرة الوحيدة التي ظلها يصل إلى القبر.

دعاؤنا له

اللهم ارحمه رحمة تطمئن بها نفسه ، وتقر بها عينه .
اللهم اغفر له وارفع درجته في المهديين ، واجعل قبره روضة من رياض الجنة .
اللهم اجعل مرضه كفارة له، وعلمه وعمله وصلاحه بين الناس صدقة جارية إلى يوم الدين .
اللهم اجعل كل مريض عالجه، وكل قلب طمأنه، وكل خصام أصلحه، في ميزان حسناته.
اللهم ألهم أهله ومحبيه، آل صقر وآل عرفة، الصبر والسلوان ، وعوضهم عنه خيراً، واجمعهم به في مستقر رحمتك .

كلمة أخيرة

وداعاً يا دكتور القلوب ، يا طبيب الأجساد، ويا حكيم العقول .
سبقتنا إلى دار الحق ، وتركت لنا درساً بليغاً : أن عظمة الإنسان ليست في علمه وحده، بل في قلبه الذي ينبض قبل أن ينبض قلب مريضه ، وفي عقله الذي يلم الشمل قبل أن يتفرق .

لن نقول وداعاً … بل إلى لقاء في جنات النعيم ، حيث لا وجع ولا مرض ولا فراق .

رحمك الله يا دكتور السيد … وطيب الله ثراك .

About The Author