مفترق الشرق.. بقلم: د/ أيمن عبدالغني المصري

د.أيمن عبدالغني المصري

لم يكن التفاهم الأخير بين إيران والولايات المتحدة مجرد اتفاق لوقف التصعيد العسكري، بل يمثل نقطة تحول قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. فبعد أشهر من التوترات التي دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة، اختار الطرفان طريق التهدئة والحوار، إدراكًا لحجم الخسائر التي يمكن أن تترتب على استمرار الصراع. وترتكز نقاط التفاهم الرئيسية على وقف العمليات العسكرية المباشرة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى البحث في الملفات الإقليمية المرتبطة بالأمن والاستقرار. وتكتسب هذه التفاهمات أهمية استثنائية لأن ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، بينما يقترب حجم التجارة البحرية العالمية من 12 تريليون دولار سنويًا. وقد انعكست أجواء التهدئة سريعًا على الأسواق العالمية، فتراجعت أسعار النفط بعد أن تجاوزت حاجز المئة دولار للبرميل خلال ذروة التوتر، كما انخفضت تكاليف التأمين والشحن البحري وتحسنت مؤشرات البورصات العالمية، وسط آمال بتراجع الضغوط التضخمية التي أثقلت كاهل الاقتصادات الكبرى خلال الفترة الماضية. أما لبنان، فيبقى من أكثر الدول تأثرًا بنتائج هذا التفاهم، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل لأنه كان أحد أبرز ساحات الصراع غير المباشر بين إيران وإسرائيل. فالحرب التي دارت بين إسرائيل وحزب الله خلال الفترة الماضية خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأدت إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان من جانبي الحدود، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية في الجنوب اللبناني. ومن هنا تبرز أهمية التفاهم الإيراني – الأميركي بالنسبة للبنان، إذ قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تسهم في تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي والسياحي. كما يمكن أن ينعكس الاستقرار الأمني إيجابًا على ثقة المستثمرين وعلى فرص الاستفادة من ثروات الغاز والطاقة في شرق المتوسط. وفي المقابل، تتابع إسرائيل بدقة نتائج أي تفاهم بين واشنطن وطهران، إذ تسعى إلى ضمان أمن حدودها الشمالية ومنع أي تهديدات مستقبلية. أما حزب الله، فينظر إلى التطورات باعتبارها جزءًا من معادلة إقليمية أوسع قد تحدد شكل المرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة. ولذلك فإن أي اتفاق دائم لن يكون مكتملًا ما لم يتضمن حلولًا واضحة للملف اللبناني وللتوتر القائم على الحدود الجنوبية. وعلى المستوى الإقليمي، قد يؤدي نجاح التفاهم إلى تخفيف حدة الصراعات في عدد من الساحات المشتعلة، وفتح المجال أمام تسويات سياسية طال انتظارها، بينما قد يؤدي فشله إلى عودة دوامة التصعيد والمواجهات التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي. ويبقى المستقبل مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل التهدئة الحالية إلى اتفاقات طويلة الأمد. فإذا نجحت المفاوضات، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي. أما إذا تعثرت، فإن شبح المواجهة سيظل قائمًا، وستبقى المنطقة والعالم عرضة لهزات سياسية واقتصادية متكررة. وبين التفاؤل والحذر، يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق قد يحدد مصير أجيال كاملة خلال السنوات المقبلة.

About The Author