ليس من السهل أن تكون شاهدًا … ولا أن تعتاد .
كل من يعمل داخل غرف الأخبار يظن، في لحظة ما، أنه أصبح أكثر قدرة على التحمل. أن تكرار المشاهد يُضعف أثرها. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا… بعض الصور لا تمرّ، بل تستقر في مكان لا يمكن تجاهله .
“لماذا يا أهل غزة… لماذا تثقلون القلب بكل هذا الصبر؟”
السؤال هنا ليس اعتراضًا… بل انكسار هادئ هو انكسار من يرى كثيرًا، أكثر مما يجب، وأكثر مما يستطيع أن يحتفظ به داخله .
من خلال تجربة مهنية في قناة الكوفية، لا تصل غزة كخبر.
تصل كحياة كاملة… تُفتح أمامك فجأة، ثم تُغلق، لكنها تتركك بداخلها .
في إحدى اللقطات، طفل لم يتجاوز سنواته الأولى، يجلس وسط ركامٍ لا يفهم معناه. لم يكن يبكي… وهذه هي المشكلة. كان هادئًا بشكل غير مفهوم، ينظر حوله كأن الصدمة أكبر من أن تُترجم إلى دموع. الكاميرا اقتربت، فالتقت عيناه بالعدسة… لحظة قصيرة، لكنها كافية لتترك سؤالًا لا يُغلق: ماذا فهم هذا الطفل مما حدث؟
وفي مشهد آخر، أمّ تحتضن أبناءها، ليس بدافع الحنان فقط، بل كأنها تحاول أن تمنع العالم من الوصول إليهم. كانت تضغط عليهم بقوة، وكأنها تقول: “ابقوا هنا… فقط ابقوا.” لم يكن في المشهد صوت عالٍ، لكن الإحساس كان أثقل من أي صراخ .
رجل يقف أمام منزله الذي لم يعد منزلًا. ينظر، ثم يقول جملة واحدة، بصوت منخفض: “كنا عايشين.” ثم يصمت وهذا الصمت… هو ما يبقى وهنا، تتضاعف القسوة .
لأن المشاهد مهما تأثر يملك رفاهية الانسحاب. يمكنه أن يغلق الشاشة، أن يبتعد، أن يحاول النسيان و أما هناك … فلا يوجد زر إيقاف .
ومن هذا الموقع، حيث تلتقي المهنية بالإنسانية، تصبح التجربة أثقل. فالمادة التي تمرّ ليست مجرد “لقطة”، بل عبء يجب التعامل معه بوعي … كيف تُعرض الحقيقة دون أن تُجرّد من إحساسها؟وكيف تُنقل دون أن تُختزل ؟
كمخرج مصري، لم تكن غزة يومًا مكانًا بعيدًا أتابعه من الخارج، بل جزء من وجدان يتشكّل مع كل مشهد. هناك خيط غير مرئي يربط بين الضفتين… بين صورة تُبث، وقلب يتلقّاها هنا .
ما يحدث عندكم لا يُشاهد فقط… بل يُشعر به .
كأن الألم يعبر الحدود دون استئذان، وكأن الحكاية واحدة، حتى وإن اختلفت الجغرافيا .
وفي قلب كل ذلك، تتسلل فكرة شخصية، بسيطة في ظاهرها… لكنها تصبح موجعة.
“فكرة أن يكون لي طفل”
أن تبدأ حياة، أن ترى ملامحها الأولى، أن تحلم لها بمستقبل هادئ. لكن مع كل مشهد لطفل هناك .. طفل لا يُفترض أن يرى ما يرى .. يتحوّل الحلم إلى تساؤل داخلي ثقيل: كيف يمكن لطفل أن يحمل كل هذا؟ كيف يمكن لعمر صغير أن يستوعب واقعًا بهذا الحجم؟
ليست المشكلة في المشاهدة فقط… بل في أن هذه المشاهد لا تنتهي.
ورغم ذلك… تستمر الحياة.
وهنا المفارقة الأكثر إيلامًا.
وسط كل هذا، هناك من يبتسم. من يحاول. من يعود ليلتقط ما تبقى، وكأن الأمر طبيعي .. طفل يعود للركض وأمّ تعيد ترتيب شيء مكسور وأب يحاول أن يبدو أقوى مما يشعر .
“هذا الإصرار… هو ما يجعل المشهد أثقل، لا أخف .”
“لماذا يا أهل غزة… لماذا تتركون كل هذا الأثر؟”
لأن ما نراه ليس مجرد ألم…
بل إنسان، يُجبر كل يوم أن يبدأ من جديد .
وفي النهاية، لا يكون السؤال: لماذا تؤلموننا؟
بل: كيف تتحملون كل هذا… دون أن تنكسروا؟

المزيد من القصص
ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صاغت التاريخ ودحرت الإرهاب نحو التنمية والبناء .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني
ريادةٌ تتحدى القيود وتصيغ مسارات السلام .. بقلم: هاني صبري
الجدعان.. ضهر العمر وسند الأيام .. بقلم: الكاتب الصحفي عبدالعاطي محمد