ثورة الحبر والدم: أنا القاتل والقتيل في بلاط صاحبة الجلالة. “مخاض الحبر.. والولادة من رحم المتاعب.. بقلم: الحنوني عبدالرحمن

الحنوني عبدالرحمن

تمر الأيام والسنون، وتتوالى العقود ونحن نكافح في خطوط المواجهة الأولى لمهنة البحث عن المتاعب. تلك المهنة الشاقة الشرسة التي تذوب فيها الأجساد، والتي علمتني عبر تفاصيلها الدامية أنها مهنة البحث عن المكاسب الروحية والوجودية حقاً، لا المادية الفانية. أحدثكم اليوم بكل صدق وعنفوان، ينبعان من عمق التجربة والمسيرة التي لم تتوقف يوماً عن الهدم والبناء؛ فأنا بدون صاحبة الجلالة لا أساوي شيئاً، ولم نكن شيئاً يُذكر في زحام العابرين، وبالفعل كنت قبلها مجرد عابر عادي، ومعها وبفضلها أصبحت رقماً صعباً وشيئاً له قيمة وأثر يخشاه الطغاة. والآن، ورغم كل ما مضى، ما زلت ثائراً يبحث عن شيء جديد وغامض في قلبي وعقلي، وأبحث عن هويتي المستمرة وسط الحطام وعن عنواني الحقيقي والأصيل في هذه الحياة، هذا العنوان الذي ليس سوى قلبي النابض بالحب والمحبة الصادقة للوطن والمواطنين الكادحين.ميادين المواجهة.. وبوصلة الحق والوطنأقسم لكم بالله العلي العظيم، أنني أغار على الحق وعلى وطني الغالي غيرة تحرق الضلوع، وتتجاوز حدود غيرتي على أهلي ونفسي بكثير، فلم يكن الوطن يوماً مجرد تراب، بل هو العِرض والشرف والوجود كله. ولطالما تصديت في مسيرتي لجبابرة الفساد وأرباب الظلم، واجهتهم وجهاً لوجه دون خوف، أو تراجع, أو مساومة، كنا دائماً مسلحين بإرادة الحق الساطعة، وبسياط الحقيقة المجردة التي نعشقها حداً جنونياً. ونحن نعشق الحقيقة كعشق الشهداء الأبرار لتراب الأوطان الغالية في لحظات الاستبسال، وكتلك اللهفة وعشق البحار الهائجة لتخطي الشطآن والحدود الجغرافية الصعبة، وكعشق الأطفال الصغار الفطري والبريء لحنان الأمهات الدافئ والأمين.إفلاس المال.. وصك الشرف الأبدينعم يا سادة، أنا واحد من أبناء صاحبة الجلالة الثائرين، الذين تعلموا في محرابها المقدس معاني الحب والتضحية والفداء، ولم يرهبنا يوماً عتمة السجن، ولا قسوة الصقيع، ولا جبروت السجان طوال مسيرتنا؛ فالحرية تعني أن نلفظ القيود وننطق بالحق دائماً. ولقد حاولت في مرحلة ما أن أسلك دروب التجارة والاستثمار المالي، ظناً مني أن المال قد يحمي قلمي، فدخلت غمار مشاريع كثيرة، لكنني خرجت منها مجرداً، وخسرت كل النقود والأموال التي جمعتها، ليرتطم وجهي بالحقيقة القاسية: أنني لا أصلح لبيع المبادئ في سوق النخاسة. خسرت تلك الأموال الفانية، ولم نربح الربح الحقيقي والدائم إلا مع الصحافة والكتابة، حيث كسبت معها ذاتي وعنفواني، وتعلمت من خلالها الثقافة الموسوعية الشاملة، كما منحتني الثبات الراسخ على المبدأ مهما عصفت بنا رياح التغيير المسمومة.جيل الفرسان.. من تلمذة الوعي إلى توريث القلملقد جلست سنوات طوالاً في مقعد التلميذ الشغوف، ألتهم الوعي من أفواه الأساتذة العظام الذين علموني أن الحبر أقدس من دم المنافقين، وتعلمت منهم أصول المهنية، وكيف يكون القلم مشرطاً في يد جراح لا خنجراً في ظهر الوطن. ولأن الأمانة تقتضي التوريث، فقد تحولنا من تلاميذ أوفياء إلى منارة تصنع قادة المستقبل، فقمنا بتعليم أبنائنا في المهنة ذات القواعد الصارمة، وغرسنا فيهم ما خبرناه، حتى دارت الأيام وأصبح أولئك التلاميذ اليوم أساتذة يشار إليهم بالبنان، ويقودون كتائب التنوير في بلاط صاحبة الجلالة. ونحن نعلمهم ونوصيهم بأنه بالقلم والوعي يلين لك الحديد الصلب، وتطوع الصعاب وتتحطم عروش الزيف، وعليك بناءً على ذلك أن تكتب دائماً ما تريد بحرية مسؤولة وثائرة، فمن كتب بصدق وإخلاص عاش اسماً وذكراً مخلداً بعد موته الفاني.عيد الكلمة.. تحية من خنادق التنويرفكل التحية والتقدير والاعتزاز لعباقرة بلاط صاحبة الجلالة الأوفياء، هم فرسان الكلمة والوطنية الشرفاء الذين لم يبيعوا ضمائرهم في بورصة النفاق قط، والذين ضحوا بأرواحهم وحياتهم الغالية من أجل التنوير والحرية المجتمعية. وها نحن اليوم في ظلال عيد الإعلاميين السنوي المجيد والمبارك، لا نقدم مجرد تهانٍ باردة، بل نرسل تحية قتالية حارة لكل إعلامي، وصحفي مقاتل في ميدانه، يبذل الغالي والنفيس في حب هذا الوطن الخالد العزيز على قلوبنا. هذا الوطن الباقي والقوي بسواعد أبنائه الكادحين، وحروف وكلمات الفرسان الأبطال صناع الكلمة الحرة والمعرفة التنويرية، الذين هم الدرع الحامي لوعي الأمة وعقلها المستنير ضد كل جهل، وتزييف، وتبعية عمياء.القسم الأخير.. خلود الحروف وامتداد المعركةإن الصحافة الحقيقية ليست وظيفة نتقاضى عليها أجراً، بل هي عقيدة نذوب فيها احتراقاً، فإما أن نكون منارات تضيء عتمة الجهل، وإما أن نكون وقوداً يشعل ثورات الوعي في عقول الشعوب الظامئة للحرية والعدالة. وسأظل أحمل قلمي كرمح لا ينثني، وأواجه به طواحين الفساد، ولن تكسرنا الأزمات المالية، ولن تثنينا الخسائر التجارية، فقد كسبنا شرف الكلمة وهو رأس مال لا يقبل الإفلاس ولا يطاله الركود أبداً. وإلى كل تلميذ علمناه فأصبح أستاذاً، وإلى كل قلم حر شريف يقف اليوم في خنادق الدفاع عن الوعي: أنتم الأمل المتبقي في هذه الأمة، وبكم تستعيد صاحبة الجلالة هيبتها وسلطتها الرابعة فوق كل سلطة جائرة. إننا نموت وتفنى أجسادنا، لكن الحروف الصادقة التي حفرناها في جدار الزمن ستظل حية، تشهد على أننا لم ننحنِ للعاصفة، ولم نبع دماء الشهداء، ولم نساوم على ذرة من تراب هذا الوطن الخالد. وستبقى شعلة الوعي متقدة تملأ الآفاق بوهج الحق، نواجه التحديات بصدور عارية وقناعات راسخة لا تزعزعها عاديات الزمن، ولأن المعركة مستمرة، ولأن حبرنا لن يجف، ولأن العطاء لا ينضب.. فللحديث بقية ممتدة عبر الأجيال.

About The Author