محمد محمود الزعيم يكتب : أحنا كسبنا التكنولوجيا ,,, وخسرنا بعض . الزمن ما اتغيرش.. أحنا اللي اتغيرنا

محمد محمود الزعيم

الزمن مظلوم . كل مرة بنغلط نقول “الدنيا بقت سريعة ، الناس مبقتش زي زمان ، البركة اتشالت”.

والحقيقة اللي بتوجع إن الزمن واقف مكانه . الساعة لسه 60 دقيقة ، واليوم لسه 24 ساعة .

اللي اتغير إحنا . إحنا اللي جريّنا ، استعجلنا ، وبعنا حاجات مالهاش سعر عشان نشتري حاجات لو اتأخرت نرجّعها ونزعل إن الفلوس رجعت في المحفظة ومش في القلب .

كسبنا سرعة … وخسرنا الموده

زمان كانت الرسالة بتاخد أسبوع عشان توصل من بلد لبلد، بس لما توصل كان ليها وزن وفرحة .

دلوقتي الرسالة بتوصل في ثانية، بس بنسيبها على “شُوهدت” أسبوع وكأننا بنعاقب اللي بعتها .

كلمة “شُوهدت” معناها إن الطرف التاني فتح الرسالة وقراها وماردش ، وبقت أصعب كلمة في العصر ده .

شاف رسالتك وماردش ، ودي لوحدها وجع أتقل من أي كلام. تبعتله ” اخبارك ايه ” يرد بإشارة إعجاب وينام مرتاح ، وانت تبات سهران تفكّر عملت إيه غلط .

 

زمان كنا بنستنى مكالمة التليفون الأرضي زي ما تكون جايزة. دلوقتي الموبايل في إيدينا 24 ساعة، ولو رن ومرديناش بنقول “هبقى أكلمه بعدين”، و”بعدين” ده طلع ساكن في كوكب تاني .

كسبنا رفاهية … وخسرنا رضا

زمان كنا بنام 3 في أوضة واحدة والغطا واحد، ونصحى نقول الحمد لله كأننا وارثين ملك .

لو حد شد الغطا كانت بتحصل خناقة صغيرة بتخلص بقرصة وضحكة و”خد رجلك دي من على وشي”.

دلوقتي كل واحد له أوضة بتكييف وموبايل في إيده ، والبيت بقى فندق 5 نجوم من غير فطار مجاني .

التلاجة مليانة أكل ، وبنفتحها 20 مرة ونقفلها ونقول “مفيش أكل” كأن الأكل مختفي مننا .

مش عشان الأكل خلص ، عشان النفس ضاقت . كتر الخير قلل البركة ، وكتر الاختيارات عملنا حيرة وتعب ومزاج متعكر .

كنا بنفرح بحذاء العيد ونلف بيه في الشارع أسبوع . دلوقتي بنزهق من الشراء أونلاين وهو لسه في الطريق .

كنا بنستنى فيلم الجمعة ، دلوقتي عندنا كل المنصات ، وبنقضي ساعتين ندور ومش بنتفرج على حاجة وفي الآخر ننام .

الرفاهية زادت، بس الشعور بالإنجاز والفرحة قلّ . بقينا بنستهلك أكتر ما بنعيش ، وبنصور الأكل أكتر ما بناكله .

كسبنا صوت … وخسرنا لمة

زمان اللمة كانت قانون . الطبلية مش ترابيزة ، دي كانت مجلس العيلة .

الكبير يمد إيده الأول ، والصغير يستنى ، واللي يغلط يتكسف ويقول “والله مكنتش أقصد الطبق ده” والكل يضحك لحد ما الدموع تنزل .

البيت كان بيتلم على صوت واحد ، ضحك يصحي الجيران ، وستات بتجهّز الأكل ، وعيال نايمة تحت السرير من التعب .

السر إن العين كانت شبعانة قبل البطن . كوباية الشاي كانت تكفي قعدة ساعتين ، والكلام كان طالع من القلب … مش نسخ ولصق .

دلوقتي اللمة بقت صورة وتختفي .  

كل واحد قاعد مع أهله بس دماغه في مكان تاني ، بيقلب في الشاشة، بيرد على محادثة ، بيشوف مقطع قصير لواحد منعرفهوش وبيضحك عليه أكتر من نكتة أبوه .

الوجع بقى بتاعك لوحدك . لو زعلت، هتكتب منشور غامض وتقفل الموبايل ، وبعدين تمسحه وتكتب واحد أغمض .

زمان كنا بنحكي ، دلوقتي بنلمّح . زمان كنا بنتصالح في القعدة ، دلوقتي بنعمل كتم صوت ونقول “راحة بال”.

 

وكلمة “كتم صوت” معناها إنك بتوقف إشعارات الشخص أو تخفي أخباره من غير ما تقطع العلاقة رسمي .

بقت أخف طريقة نبعد بيها عن الناس من غير ما نقولها صريحة .

تكتم صوته ، تخفي منشوراته ، وتقنع نفسك إنك لسه على تواصل ، بس الحقيقة إنك شيلته من دماغك بهدوء.

كسبنا أمان مزيف … وخسرنا جار

الجار زمان كان ضهر وسند. كان عمك ، خالك ، وستك اللي تطيّب خاطرك بكلمة قبل اللقمة .

لو النور قطع ، الحارة كلها تتلم عند عم محمود عشان عنده لمبة الجاز ، وكانت اللمة دي أحلى من أي مقهى على السطح بـ 100جنيه على قهوة ملهاش طعم .

ولو الام اتأخرت شويه تروح تاكل عند جارتك وانت مطمن

دلوقتي ساكنين جنب بعض سنين ومنعرفش اسم بعض .

ركبنا 4 كاميرات على الباب ، ونسيّنا نركّب رحمة في القلب .

نسمع خناقة الجار ونسكّت العيال : “ملناش دعوة ، بكرة يبعتولنا شكوى في جروب العمارة” .

الجار بقى جنبك وخلاص … ولو زهق منك يعملك كتم صوت تاني .

بقينا آمنين من السرقة ، بس مش آمنين من الوحدة ، والوحدة دي بتسرقك بالبطيء .

التكنولوجيا مش شر . هي اللي خلتنا نشوف أهالينا في الغربة صوت وصورة ونعيط من الفرحة .

هي اللي سهّلت الشغل والحياة ، وخلت العلم يوصل للي في آخر قرية .

المشكلة مش في الموبايل ، المشكلة في إيدينا اللي مسكت الموبايل وسابت إيد بعض .

بقينا نكتب “اخبارك ايه ” في الرسالة ، ونستخسر نقولها وش لوش عشان شكلنا يبقى تقيل .

كسبنا سرعة ، رفاهية ، صوت عالي على مواقع التواصل ، و1000 صديق افتراضي .

وخسرنا بطء حلو ، ورضا يخلّي اللقمة تكفي ، ولمة تلم العيلة ، وجار يطمنك لو تعبت نص الليل .

السؤال مش “نرجع لزمان إزاي ؟ 

السؤال : هنلحق نلم بعض تاني قبل ما اللمة تبقى ذكرى بنحكيها للعيال وهما ماسكين موبايلاتهم ومش سامعينا ؟

قوم دلوقتي اقفل الموبايل 5 دقايق ، اقعد مع اللي في البيت، اسألهم عاملين إيه من غير ما تبص في الشاشة.

اضحك معاهم على اي حاجة بسيطة ولو ضحكوا او عيطوا معاك يبقى كسبت اللي خسرته من سنين .

About The Author