سامحينا إسرائيل! .. بقلم: د.أيمن عبدالغني المصري

د.أيمن عبدالغني المصري

سامحينا لأننا ما زلنا نتذكر، ولأن الذاكرة عندنا لم تُصب بالعطب بعد، ولأن صفحات التاريخ التي كُتبت بالدم لم تستطع السنوات أن تمحو حروفها.

سامحينا لأننا حين نسمع حديث السلام لا نستطيع أن نتجاهل ما جرى في الثامن من نيسان (أبريل) 1970، عندما قصفت طائراتك مدرسة بحر البقر الابتدائية في مصر، فسقط عشرات الأطفال بين شهيد وجريح، وتحولت دفاترهم المدرسية إلى صفحات من الدم والألم.

سامحينا لأننا لم ننسَ ما كُشف عنه لاحقاً من وقائع قتل الأسرى المصريين في حربي 1956 و1967، وهي أحداث بقيت جرحاً مفتوحاً في الوجدان المصري والعربي، مهما حاول البعض طيّ صفحاتها.

سامحينا لأننا ما زلنا نقرأ تاريخ فلسطين منذ نكبة عام 1948، يوم شُرّد مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، ولأن أسماء القرى المدمرة ما زالت حاضرة في الذاكرة، تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الوصية.

سامحينا لأننا لم ننسَ مجزرة قانا في جنوب لبنان عام 1996، ولم ننسَ حرب تموز 2006 وما خلّفته من ضحايا ودمار ونزوح، ولم ننسَ سنوات طويلة من الاحتلال والاعتداءات التي عاشها الجنوب اللبناني.

سامحينا لأننا نشاهد ما يجري في غزة منذ سنوات، من حصار وحروب متكررة ودمار واسع وآلاف الضحايا، فنجد أنفسنا عاجزين عن النظر إلى المشهد بعيون باردة أو ذاكرة قصيرة.

سامحينا لأننا نرى الاغتيالات والتفجيرات والتوغلات العسكرية والنزوح القسري الذي عرفته مناطق عديدة في فلسطين ولبنان، فنستعيد تلقائياً صور الأمهات الثكالى والأطفال الذين دفعوا ثمن الصراعات والحروب.

سامحينا لأن النقابات المهنية المصرية، وفي مقدمتها نقابات الصحفيين والمحامين والمهندسين والأطباء وغيرها، ما زالت ترفض التطبيع الثقافي والنقابي معك، ولأن قطاعاً واسعاً من الشعب المصري ما زال يعتبر القضية الفلسطينية قضية عدالة وحق قبل أن تكون مجرد ملف سياسي.

سامحينا لأن المصريين الذين خاضوا حروب 1948 و1956 و1967 و1973 لا يستطيعون أن يتعاملوا مع التاريخ وكأنه لم يكن، ولا أن يتجاهلوا تضحيات آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض والكرامة الوطنية.

سامحينا لأننا نؤمن أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالحصار، ولا بالتهجير، ولا بإملاء الشروط على الشعوب، بل بالعدالة واحترام الحقوق والاعتراف بإنسانية الآخر.

سامحينا لأنك تريدين منا أن ننسى، بينما تذكّرنا الأحداث كل يوم بأن الجراح لم تلتئم بعد، وأن الحقوق لم تستعد كاملة، وأن معاناة الفلسطينيين واللبنانيين ما زالت حاضرة أمام أعين العالم.

سامحينا لأننا لن نمنح التاريخ شهادة براءة لم يكتبها، ولن نبدّل قناعاتنا تحت ضغط القوة أو المصالح أو الشعارات.

فـتاريخك الأسود، في نظر كثيرين من أبناء هذه الأمة، وما يجري اليوم من حروب ودمار ونزوح، لن يسمح لنا بأن نغيّر موقفنا قيد أنملة، ولن يجعلنا نحقق الأحلام التي تتطلعين إليها في وجدان الشعوب.

سامحينا…سامحينا فأفقك ضيق ولم تفهمي المعنى المقصود ….ومصر لا تسامح ولاتطلب السماح ممن لايمتلكه

فالمشكلة ليست في الذاكرة التي تحتفظ بالأحداث فقط، بل في الأحداث نفسها التي ما زالت تصنع التاريخ أيضا.

د

About The Author