“ازدواجية الرقابة بالشرقية.. إدارة البيئة تطارد المصانع وتغمض عينيها عن فوضى الطرق”
تحولت تلال القمامة ونفايات البناء في محافظة الشرقية من مجرد أزمة عابرة إلى واقع مؤلم يؤرق حياة المواطنين يوميًا. ورغم الخطط والشعارات البراقة حول تدوير المخلفات واعتبارها “كنزًا لا يفنى“، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يعكس فجوة عميقة بين التصريحات الحكومية والأداء التنفيذي للمديريات ومجالس المدن.وتتجلى ذروة الأزمة في المجرى المائي الأشهر بالمحافظة، حيث يحتل بحر مويس كميات هائلة من القمامة والمخلفات الطافية. هذا الشريان الحيوي الذي يمثل رمزًا للمحافظة بات محاصرًا بنفايات تهدد الصحة العامة وتلوث المظهر الحضاري، وسط تساؤلات حائرة من الأهالي حول غياب الرقابة وأعمال التطهير الدورية.ولم تتوقف أزمة المجرى المائي عند حدود النفايات الصلبة، بل امتدت لتشمل غزو نبات “ورد النيل” الذي بات يغطي مساحات شاسعة من سطح المياه. هذا النبات السرطاني يلتهم ملايين الأمتار المكعبة من المياه ويعوق حركتها، مما يضع مديرية الري بالمحافظة في مرمى الانتقادات اللاذعة بسبب بطء وتيرة التطهير والمواجهة.وعلى جانب آخر، تعاني الطرق الأسفلتية الرابطة بين المراكز من أزمة لا تقل خطورة، وتأتي في مقدمتها المعاناة اليومية على طريق “الزقازيق – بيشة قايد“، وكافة طرق المحافظة التي باتت تكتظ بتلال الأنقاض ومخلفات الهدم والبناء. هذه التراكمات لا تشوه المنظر العام فحسب، بل تحولت إلى بؤر للحوادث المرورية وتضييق المحاور، في ظل غياب ملحوظ لدور مجالس المدن والوحدات المحلية.ويزداد المشهد تعقيدًا عند النظر إلى التناقض الصارخ في دور إدارة البيئة بالمحافظة؛ حيث تصب الإدارة كامل تركيزها في ملاحقة المصانع والشركات لتحرير المحاضر، في حين تغمض عينيها تمامًا عن الفوضى العارمة لإلقاء الأنقاض على الطرق العامة دون تحرير محضر بيئي واحد يردع المخالفين. ويتساءل الشارع بمرارة عن سر هذه الازدواجية في تطبيق القانون طالما أن التلوث البصري والبيئي الناتج عن الأنقاض يهدد سلامة الجميع.ولا يمكن إنكار الجهود الميدانية المستمرة التي يبذلها المهندس حازم الأشموني، محافظ الشرقية، ومساعيه الدؤوبة لضبط الأداء التنفيذي. إلا أن هذه التحركات الفردية للمحافظ، والجهود المبعثرة لبعض رؤساء المدن، تصطدم بجدار من التراخي والتقاعس في المستويات الإدارية الوسيطة والدنيا التي تفشل في الحفاظ على المكتسبات.إن واقع الحال اليوم في الشارع الشرقاوي بات “لا يسر عدوًا ولا حبيبًا“، حيث يشعر المواطن بتراجع ملحوظ في مستوى الخدمات الأساسية والنظافة. هذا التراجع جعل الجهود تبدو متخبطة، وسط حالة من العشوائية الإدارية التي يصفها الأهالي محليًا بعبارة “سمك لبن تمر هندي” نتيجة تداخل الاختصاصات وغياب الحسم.وقد ترك هذا المشهد الانطباع بأن بعض رؤساء المدن والأحياء والمراكز قد تخلوا عن دورهم الرقابي في الشارع، واكتفوا بالتقارير المكتبية. هذا الغياب الميداني سمح للمخالفين بفرض أمر واقع من العشوائية، بانتظار بارقة أمل وعودة قوية للحياة التنفيذية والانضباط عقب انتهاء إجازة عيد الأضحى المبارك.وأمام هذا الوضع، يصبح لزامًا على السادة نواب المحافظ الخروج الفوري من مكاتبهم المكيفة والنزول مباشرة إلى نقاط الساخنة بالشارع. إن التواجد الميداني للنواب ومتابعتهم للمشكلات على أرض الواقع هو السبيل الوحيد لكسر روتين التقارير المضللة والوقوف على حجم المعاناة الحقيقية للمواطنين.النداء ذاته يتوجه إلى السيد السكرتير العام والمساعد للمحافظة، فالشارع الشرقاوي يناديكم لإعادة الانضباط الهيكلي لمنظومة النظافة والري. إن النزول إلى المحاور الرئيسية والقرى يمثل طوق النجاة لانتشال المحافظة من الممارسات العشوائية التي باتت تصبغ “الشرقية سابقا” بلون غريب عن تاريخها العريق.إن إعادة الانضباط لبحر مويس وتطهيره من ورد النيل والقمامة يتطلب تنسيقًا عاجلاً وفوريًا بين مديرية الري ومجالس المدن المتشاطئة. لا يمكن قبول مبررات إلقاء المسؤولية المشتركة، فالصحة العامة للمواطنين والأمن المائي للمحافظة خط أحمر لا يقبل التهاون أو التباطؤ تحت أي ظرف.كما تحتاج منظومة جمع القمامة وإدارة المخلفات الصلبة بالوحدات المحلية إلى إعادة هيكلة شاملة ومراقبة صارمة لمتعهدي الجمع. يجب تفعيل المنظومة الرقمية لمتابعة سيارات نقل النفايات، والتأكد من تفريغها في المدافن الصحية المحكومة بدلاً من إلقائها على حواف الطرق السريعة مثل طريق بيشة قايد.علاوة على ذلك، يجب على إدارة البيئة بالمحافظة مراجعة أولوياتها والتوقف عن سياسة الكيل بمكيالين؛ فالأولوية الآن يجب أن تشمل ضبط مافيا الأنقاض التي تدمر الطرق السريعة بالتوازي مع الرقابة على المنشآت الصناعية، لتأكيد سيادة القانون البيئي على الجميع دون استثناء.إن تطلعات أبناء الشرقية في مرحلة ما بعد عيد الأضحى تتلخص في رؤية حراك تنفيذي حازم يعيد للمحافظة هيبتها ونظافتها المفقودة. الشارع ينتظر ثورة إدارية تنهي حالة التخبط، وتضع حدًا للعشوائية، وتقدم نموذجًا حقيقيًا للعمل الميداني المستدام وليس الحملات المؤقتة.ختامًا، إن هذه الصرخة البيئية والإدارية ليست سوى مرآة لما يدور في أزقة وشوارع المحافظة، والهدف منها هو الإصلاح والبناء ومساندة القرار التنفيذي. سنظل نتابع عن قرب مدى استجابة المسؤولين وتحركهم في الشارع لإنقاذ بحر مويس وطرق الشرقية.. وللحديث بقية.

المزيد من القصص
ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صاغت التاريخ ودحرت الإرهاب نحو التنمية والبناء .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني
ريادةٌ تتحدى القيود وتصيغ مسارات السلام .. بقلم: هاني صبري
الجدعان.. ضهر العمر وسند الأيام .. بقلم: الكاتب الصحفي عبدالعاطي محمد