مصر ولبنان روح واحدة.. بقلم: د. أيمن عبدالغني المصري

د. أيمن عبدالغني المصري

منذ فجر التاريخ، ارتبطت مصر ولبنان بعلاقة تتجاوز الجغرافيا والسياسة، علاقة صنعتها حضارات متعاقبة وتبادل ثقافي وتجاري وروحي بين ضفتي المشرق ووادي النيل، حتى أصبحت هذه العلاقة أقرب إلى وجدان مشترك لا تفرّقه المسافات ولا تعصف به الأزمات.

ومع تشكّل الدول الحديثة، تعزز هذا الرابط بصورة أوضح في القرن العشرين، حيث وقفت مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلى جانب لبنان في مرحلة دقيقة من تاريخه، مؤكدة على وحدة الأراضي اللبنانية ورفض أي محاولات لتمزيق نسيجه الداخلي، وداعمة لفكرة أن استقرار لبنان جزء من استقرار الأمة العربية كلها. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وما رافقها من انقسامات طائفية، بقي الموقف المصري داعيًا إلى التهدئة والحوار، ومساندًا للجهود العربية التي سعت إلى وقف الاقتتال وإعادة بناء الدولة.

وفي مراحل لاحقة، خاصة خلال عهد الرئيس حسني مبارك، استمر هذا النهج السياسي المتوازن، فدعمت مصر اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية وفتح الباب أمام إعادة بناء المؤسسات اللبنانية، كما لعبت دورًا دبلوماسيًا في دعم الاستقرار الداخلي، والتأكيد على مرجعية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان الموقف المصري واضحًا في دعم سيادة لبنان ورفض الاعتداءات، ضمن موقف عربي واسع سعى إلى حماية البلاد من تداعيات الاحتلال والصراع الإقليمي.

ومع دخول عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، استمر الحضور المصري في دعم الاستقرار اللبناني عبر القنوات الدبلوماسية والمبادرات العربية، لا سيما في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة. وقد برز الدور المصري ضمن إطار “اللجنة الخماسية بشأن لبنان” التي سعت إلى دعم التوافق السياسي اللبناني، وتعزيز انتخاب المؤسسات الدستورية، ومنع الانزلاق نحو الفراغ السياسي.

وفي الأزمات الإنسانية الحديثة، كان لمصر حضور واضح في الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني. خلال جائحة كورونا، قدمت مساعدات طبية ودعماً إنسانياً، كما سارعت بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 إلى إرسال مساعدات إغاثية عاجلة تعبيرًا عن تضامنها الكامل مع لبنان في واحدة من أصعب مراحله. هذا الدعم لم يكن سياسيًا فقط، بل إنسانيًا يعكس عمق العلاقة بين الشعبين.

وعلى الصعيد الأكاديمي، تمثل Beirut Arab University نموذجًا مهمًا للتعاون العلمي والثقافي بين البلدين، حيث تستقطب طلابًا وأساتذة من مختلف الدول العربية، ومنهم المصريون واللبنانيون، في إطار من التبادل المعرفي الذي يعمّق الروابط بين الشعبين ويؤسس لجيل جديد من الشراكة العربية.

كما أن في لبنان مؤسسات صحية ومبادرات طبية، من بينها ما يُعرف بـ“المستشفى المصري” والدعم الطبي المصري المتواصل، الذي يعكس الوجه الإنساني للعلاقة بين البلدين، خاصة في فترات الأزمات الصحية والاقتصادية، حيث يتجلى التضامن بعيدًا عن الحسابات السياسية.

إن الشعب اللبناني يحمل لمصر تقديرًا خاصًا يمتزج فيه الاحترام بالمحبة، ويظهر ذلك في الانفتاح على الثقافة المصرية وفي الإيمان بدورها العربي المحوري. كما أن هناك طموحًا لبنانيًا واضحًا نحو مستقبل أكثر تكاملًا، يقوم على توسيع التعاون الاقتصادي، وإقامة خط بحري مباشر بين البلدين يسهل حركة التجارة والسياحة، ويعيد وصل ما بين المشرق ووادي النيل بشكل عملي ومستدام. كذلك يبرز حلم تعزيز الإعفاءات الجمركية والتسهيلات الاقتصادية بما يفتح المجال أمام تبادل تجاري أوسع ينعكس إيجابًا على الشعبين.

وفي النهاية، تبقى العلاقة بين المصريين واللبنانيين علاقة قائمة على الامتنان المتبادل والأمل المشترك، علاقة أثبتت عبر الزمن أن التضامن العربي ليس شعارًا، بل مسارًا حيًا يتجدد في كل أزمة وكل فرصة تعاون جديدة، ليظل البحر المتوسط شاهدًا على صداقة راسخة بين شعبين يجمعهما التاريخ والمصير المشترك

About The Author