عندما وقف الخطيب الإغريقي ديموستينيس في القرن الرابع قبل الميلاد يدافع عن القضايا العامة، لم يكن يدرك أن مهنة المحاماة التي عرفها العالم آنذاك ستصل يوماً إلى مرحلة يترافع فيها الإنسان بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتُدار فيها جلسات المحاكم عبر الشاشات والمنصات الرقمية. وبين الماضي السحيق والمستقبل القريب رحلة طويلة من التطور جعلت المحاماة واحدة من أكثر المهن قدرة على التكيف مع متغيرات العصر. عرفت الحضارات القديمة أشكالاً أولية للدفاع القانوني، لكن المحاماة بمفهومها الحديث بدأت تتبلور في أوروبا خلال القرون الوسطى، ثم ازدهرت مع نشوء الدول الحديثة. وفي مصر، ارتبط تاريخ المحاماة بالحركة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال، فبرزت أسماء كبيرة مثل الزعيم الراحل سعد زغلول الذي مارس المحاماة قبل أن يقود ثورة 1919، كما لمع اسم مكرم عبيد وعبد العزيز فهمي وغيرهما من كبار رجال القانون الذين جمعوا بين العمل الوطني والمرافعة القضائية. وفي عام 1912 تأسست نقابة المحامين المصرية لتكون واحدة من أقدم النقابات المهنية في المنطقة العربية، ومنذ ذلك التاريخ لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. حتى أواخر القرن العشرين، كان المحامي يقضي ساعات طويلة بين أرفف المكتبات القانونية، يبحث عن حكم أو سابقة قضائية تدعم موقف موكله. وكانت المذكرات تُكتب باليد أو على الآلة الكاتبة، وتُنقل الملفات في حقائب ضخمة من مكتب المحامي إلى قاعات المحاكم. وكان النجاح المهني يعتمد على الخبرة المتراكمة والذاكرة القوية والعلاقات المهنية الواسعة. لكن العالم تغير بسرعة مذهلة. ففي تسعينيات القرن الماضي بدأت الحواسيب تغزو مكاتب المحاماة، ثم جاءت شبكة الإنترنت لتختصر ساعات البحث إلى دقائق معدودة. ومع مطلع الألفية الجديدة ظهرت قواعد البيانات القانونية الرقمية التي أتاحت الوصول الفوري إلى التشريعات والأحكام والاجتهادات القضائية. وجاءت جائحة كورونا عام 2020 لتحدث تحولاً استثنائياً في العمل القضائي حول العالم. فقد لجأت محاكم في الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات والصين وغيرها إلى عقد جلسات عن بُعد عبر تقنيات الاتصال المرئي، وأصبح من الممكن للمحامي أن يترافع من مكتبه أو منزله دون الانتقال إلى المحكمة. أما الثورة الحقيقية فقد بدأت مع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد عام 2022. فهذه الأنظمة أصبحت قادرة على مراجعة آلاف الصفحات القانونية خلال دقائق، وتحليل العقود، واستخراج الثغرات القانونية، واقتراح صيغ للمذكرات واللوائح والاتفاقيات. وفي عام 2023 شهدت الولايات المتحدة حادثة لافتة عندما استخدم أحد المحامين برنامجاً ذكياً لإعداد مذكرة قانونية، فاكتشف القاضي أن بعض السوابق القضائية الواردة فيها غير موجودة أصلاً، ما أثار نقاشاً عالمياً حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العمل القانوني. وقد أكدت هذه الواقعة أن التكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا يمكن أن تحل محل الرقابة البشرية والخبرة المهنية. لكن كيف سيكون المحامي بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟ من المتوقع أن يجلس المحامي في مكتبه أمام شاشة ذكية متصلة بمليارات الوثائق القانونية حول العالم. وعندما يتلقى قضية جديدة، سيقوم مساعد قانوني افتراضي بتحليل الملف بالكامل خلال ثوانٍ، ويعرض على المحامي الأحكام المشابهة ونسب النجاح المتوقعة وأفضل الاستراتيجيات القانونية الممكنة. فإذا حضر إليه موكل في نزاع عقاري مثلاً، سيقوم النظام الذكي بتحليل العقود وسجلات الملكية والأحكام السابقة خلال دقائق، بينما كان ذلك يستغرق أسابيع في الماضي. وسيتمكن المحامي من توجيه جهده نحو التفكير الاستراتيجي والتفاوض وإقناع المحكمة بدلاً من إهدار الوقت في الأعمال الروتينية. وقد يظهر مستقبلاً ما يمكن تسميته “المحامي الرقمي المتخصص”، وهو محام يجمع بين القانون وعلوم البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. وستنشأ تخصصات جديدة مثل محامي الجرائم الإلكترونية، ومحامي الروبوتات، ومحامي النزاعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ومحامي الملكية الفكرية للمنتجات الرقمية. أما المحاكم، فقد تشهد تحولات أكثر عمقاً. فقد يدخل المتقاضون إلى منصات إلكترونية موحدة تتيح رفع الدعوى وتحميل المستندات ومتابعة الإجراءات وإصدار الأحكام إلكترونياً. وقد تقوم أنظمة ذكية بفرز القضايا تلقائياً وتحديد النصوص القانونية ذات الصلة ومساعدة القاضي في مراجعة الأدلة. وفي عام 2040 أو 2050 ربما نشاهد محكمة افتراضية كاملة، يرتدي فيها القاضي والمحامون والمتقاضون نظارات واقع افتراضي ويجتمعون داخل قاعة رقمية تحاكي المحكمة الحقيقية بدقة متناهية. ورغم كل هذه التطورات، يبقى هناك سؤال جوهري: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المحامي؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا. فالعدالة ليست مجرد نصوص وقوانين وأرقام. إنها فهم للإنسان ودوافعه وظروفه النفسية والاجتماعية. والمحامي الناجح لا يكتفي بمعرفة القانون، بل يمتلك القدرة على الإقناع والتفاوض وقراءة المشاعر الإنسانية والتعامل مع المواقف المعقدة، وهي أمور يصعب على الآلة محاكاتها بالكامل. إن مستقبل المحاماة لن يكون نهاية للمهنة، بل بداية لعصر جديد منها. فكما لم تُلغِ الآلة الكاتبة دور المحامي، ولم يُنهِ الحاسوب عمله، فإن الذكاء الاصطناعي لن يقضي على المحاماة، بل سيغير شكلها وأدواتها. وسيبقى المحامي، مهما تغير الزمن، حارساً للحقوق ومدافعاً عن العدالة، لكن بوسائل أكثر تطوراً وقدرات لم تكن الأجيال السابقة تتخيلها. وفي عالم الغد، قد تتغير المكاتب والملفات والمحاكم، لكن رسالة المحاماة ستبقى كما كانت دائماً: نصرة الحق وحماية الإنسان.
(محامي الغد) .. بقلم د: أيمن عبدالغني المصري
د.أيمن عبدالغني المصري

المزيد من القصص
ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صاغت التاريخ ودحرت الإرهاب نحو التنمية والبناء .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني
ريادةٌ تتحدى القيود وتصيغ مسارات السلام .. بقلم: هاني صبري
الجدعان.. ضهر العمر وسند الأيام .. بقلم: الكاتب الصحفي عبدالعاطي محمد