لا يُعد مضيق باب المندب لمجرد خط أزرق مرسوم على خريطة الجغرافيا، بل هو أحد أخطر وأهم شرايين التجارة العالمية ونقل الطاقة، نظراً لدوره الحيوي في ربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي عبر نقطة وصل لا تعوض.
وعلى الصعيد الجغرافي والحدودي، يقع هذا المضيق الاستراتيجي بين شبه الجزيرة العربية -وتحديداً اليمن- وقارة إفريقيا عند جيبوتي وإريتريا، حيث تلعب جزيرة “ميون” أو “بريم” اليمنية دور القاسم الطبيعي الذي يقسم مياه المضيق إلى قناتين رئيسيتين: شرقية وغربية.
وتكمن الأهمية الاقتصادية الفائقة لهذا الممر في تمرير نحو عشرة إلى اثني عشر بالمائة من حجم التجارة العالمية من خلاله، فضلاً عن اعتباره ممراً حيوياً ومقَدَّساً لناقلات النفط وسفن الشحن الضخمة التي تربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية مروراً بقناة السويس.
وفي السياق التاريخي، تكشف التسمية القديمة للمضيق عن وجهه القاسي، إذ عُرف تاريخياً باسم “باب الدموع” نظراً لصعوبة الملاحة فيه قديماً وتعدد مخاطره، بينما تعاظمت أهميته العسكرية والجيوسياسية في العصر الحديث نتيجة قربه الشديد من خطوط الملاحة الدولية وانتشار القواعد العسكرية الكبرى للدول العظمى في محيطه الإقليمي.
وقد تحول الوضع الراهن للمضيق ليصبح أشبه ببرميل بارود، متأثراً بتوترات أمنية واستراتيجية بالغة الخطورة، لا سيما في ظل التطورات الميدانية المتلاحقة على الساحل الغربي لليمن وتحركات جماعة الحوثي، مما جعله بؤرة ساخنة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وفي خاتمة المطاف، يظل باب المندب حكاية معقدة تتداخل فيها جغرافيا السياسة بقسوة التاريخ، ليطرح السؤال الأبدي حول قدرة ممر مائي بهذا الضيق على تحمل أعباء اقتصاد كوكب كامل، والوجهة التي سيقود إليها صراع النفوذ المحتدم فوق مياهه.

المزيد من القصص
الولا عبده جه (الحلقة الأولى): جاءنا البيان التالي… مواهب كروية في قاع الحفرة
عام جديد في حياتي.. محطة تأمل في شريط الذكريات .. بقلم: عبدالرحمن الحنوني
محمد محمود الزعيم يكتب .. هل ينجح حكماء المؤانسة في أن يعيدوا الروح لبيت الشباب؟