ريادةٌ تتحدى القيود وتصيغ مسارات السلام .. بقلم: هاني صبري

هاني صبري

​يحتفي العالم في الرابع والعشرين من يونيو من كل عام باليوم العالمي للمرأة في العمل الدبلوماسي؛ وهي مناسبةٌ لا تقتصر دلالتها على التكريم الرمزي، بل تتجاوز ذلك لتكون محطةً لمراجعة الأدوار المحورية التي تلعبها النساء في صياغة العلاقات الدولية، وإرساء دعائم السلم والأمن العالميين، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف.

​الدبلوماسية.. من حكر الرجال إلى فضاء التوازن

​على مر عقود طويلة، ظلت أروقة السياسة الخارجية ومكاتب السفارات حكراً على الرجال، انطلاقاً من تصورات تقليدية اختزلت القدرة على التفاوض وإدارة الأزمات الدولية في السمات الذكورية. إلا أن القرن الحادي والعشرين شهد تحولاً جذرياً؛ إذ أثبتت المرأة أن الدبلوماسية تتطلب “قوة ناعمة” تقوم على الحوار، والإنصات، وبناء الجسور، والقدرة على فهم التعقيدات الإنسانية والاجتماعية في الأزمات وهي مجالات أثبتت فيها النساء كفاءة استثنائية.

​بصماتٌ لا تُخطئها العين

إن الدور النسائي في الدبلوماسية لم يعد مقتصرًا على التمثيل البروتوكولي، بل بات جوهرياً في صنع القرار. فقد نجحت الدبلوماسيات عبر العالم في:
​قيادة ملفات معقدة: بدءاً من مفاوضات نزع السلاح، وصولاً إلى ملفات التغير المناخي وحقوق الإنسان.
​تعزيز الدبلوماسية التنموية: حيث تلعب النساء دوراً بارزاً في ربط الأجندات الوطنية بأهداف التنمية المستدامة.
-الوساطة في النزاعات: تشير الدراسات إلى أن الاتفاقيات التي تشارك النساء في صياغتها تكون أكثر استدامة وقدرة على الصمود، نظراً لتركيزها على الجوانب المجتمعية والمدنية للسلام.
​تحديات قائمة
​رغم التقدم المحرز، لا تزال المرأة تواجه تحديات جمة في مساراتها المهنية الدبلوماسية. فما تزال الفجوة قائمة في الوصول إلى المناصب العليا، كما تظل الدبلوماسية النسائية عرضة لنمطية التوقعات الاجتماعية التي قد تعيق مسار المرأة المهني وتوازن حياتها الخاصة مع متطلبات العمل الميداني والسياسي المرهق.

​إن الاحتفاء بهذا اليوم هو دعوة للمجتمع الدولي لتعزيز السياسات التي تضمن تكافؤ الفرص. إن تمكين المرأة في السلك الدبلوماسي ليس مجرد مسألة عدالة اجتماعية، بل هو ضرورة استراتيجية. فالعالم اليوم، بما يواجهه من أزمات متشابكة ومعقدة، هو أحوج ما يكون إلى عقول متنوعة ورؤى شمولية لا تُقصي نصف المجتمع من طاولة المفاوضات.

إن المرأة التي ترتدي اليوم وشاح الدبلوماسية، لا تكتفي بتمثيل دولتها فحسب، بل تمثل بصيص أملٍ في عالمٍ يحتاج إلى لغةٍ تغلّب الحكمة على القوة، والتفاهم على التناحر. إنها اليوم، وبكل استحقاق، صانعةٌ للسلام ومبادرةٌ للمستقبل و​حققت المرأة المصرية تقدماً ملحوظاً في السلك الدبلوماسي، حيث تشير البيانات إلى أن نسبة الدبلوماسيات في الخارجية المصرية تقترب من 30%، مع تمثيل متميز في مواقع قيادية حساسة:
-​السفيرات المصريات: تولت الدبلوماسيات المصريات مناصب سفيرات في عواصم كبرى ومراكز دولية مؤثرة مثل (جنيف، فيينا، طوكيو، ومالطا).
​القنصل العام: تتولى دبلوماسيات مصريات مناصب قنصل عام في بعثات ذات ثقل سكاني وجاليات مصرية كبيرة (مثل نيويورك، ميلانو، باريس، ولوس أنجلوس)، وهو منصب يتطلب خبرة إدارية وحسّاً أمنياً وتواصلياً عالياً.
-​الأداء في مناطق الأزمات: هناك نماذج مشرفة لدبلوماسيات مصريات أدرن بعثات في مناطق شديدة الصعوبة (مثل الخرطوم ورواندا)، حيث أثبتت المرأة قدرة فائقة على العمل تحت الضغط وفي ظروف غير مستقرة، مساويةً في ذلك أقرانها من الرجال.

و​على المستوى الدولي، هناك قيادات نسائية غيّرن مسار التاريخ الدبلوماسي:
​مادلين أولبرايت (الولايات المتحدة): أول امرأة تشغل منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، عُرفت بحزمها وقدرتها على إدارة ملفات دولية شائكة بعد الحرب الباردة.
​أنجيلا ميركل (ألمانيا): على الرغم من كونها مستشارة، إلا أنها لعبت دوراً دبلوماسياً محورياً في الحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي وإدارة الأزمات العالمية لسنوات طويلة.
إلين جونسون سيرليف (ليبيريا): كانت نموذجاً للدبلوماسية التي استندت إلى السلام المجتمعي، وحصلت على جائزة نوبل لجهودها في حماية حقوق المرأة وقيادة بلادها نحو الاستقرار بعد الحروب الأهلية.
أمينـة محمد (الأمم المتحدة): نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، وتعد اليوم واحدة من أقوى الأصوات النسائية التي تقود الدبلوماسية التنموية على مستوى العالم.
​نقاط قوة “الدبلوماسية النسائية” (تحليل مهني):

وتتميز الدبلوماسية النسائية
​الذكاء العاطفي والاجتماعي: القدرة على بناء علاقات ثقة طويلة الأمد.
​بالنهج الوقائي: تركيز أكبر على التنمية والتعليم والصحة كأدوات “للقوة الناعمة” لمنع النزاعات قبل وقوعها.-​بالمرونة: القدرة على التكيف مع البروتوكولات المعقدة مع الحفاظ على الأجندة الوطنية بوضوح… إن هذه النماذج ليست مجرد أسماء، بل هي رسالة للعالم بأن “الدبلوماسية” لم تعد تعتمد فقط على “قوة الدولة”، بل على “حكمة من يمثلها”

About The Author